الصومال وأصدقاؤه: مسودة خارطة طريق نحو السلام والتوافق الوطني والحكم الدستوري مقترح للتأمل والحوار الوطني
الصومال وأصدقاؤه: مسودة خارطة طريق نحو السلام والتوافق الوطني والحكم الدستوري مقترح للتأمل والحوار الوطني أُعدَّ هذا المشروع للنقاش غير الرسمي وبناء التوافق قبل أي اعتماد رسمي الأساس
ش الأول قلَّما يختلف اثنان على أن رحلة الصومال نحو السلام والوحدة الوطنية والحكم الدستوري كانت طويلة وشاقة ومليئة بالمآسي. فمنذ سقوط النظام السابق، أحرزت البلاد تقدماً محدوداً نحو التوصل إلى تسوية سياسية تحظى بقبول واسع. ولا يزال كثير من الصوماليين، وكذلك العديد من أصدقاء الصومال، يجدون صعوبة في فهم المسار العام الذي يُفترض أن يقود البلاد إلى السلام والوحدة والحكم الدستوري. ولا تزال التأملات التي قدمها عدد من القادة الدوليين في حقب سياسية مختلفة ذات صلة بواقع الصومال اليوم. فقد حذّر نيكيتا خروتشوف، في سياق الحرب الباردة، من أن إساءة استخدام القوة التدميرية من شأنها أن تهدد البشرية جمعاء، وأن التعايش السلمي هو الخيار الأكثر حكمة. كما ذكّر كوفي عنان المجتمع الدولي بأن الأخطاء وخيبات الأمل قد تقع، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى التخلي عن الالتزام بالأهداف المشتركة. وانطلاقاً من هذه الروح، ترى هذه الورقة أن كثيراً من الخلافات التي نشأت قبل وأثناء وبعد المؤتمرات والاجتماعات والمفاوضات الخاصة بالصومال ترجع، جزئياً، إلى اتباع نهج مجزأ وغير واضح في إدارة عملية السلام. فقد تعامل القادة الصوماليون وأصدقاء الصومال مع كل مرحلة من مراحل العملية باعتبارها معركة مستقلة ونهائية، بدلاً من النظر إليها كجزء من مسار وطني متكامل يقود إلى المصالحة الوطنية، والنظام الدستوري، والاستقرار الدائم.
وعملياً، بدا وكأن النهج المتبع يفترض أن كل خطوة في طريق السلام — سواء تعلق الأمر بعقد مؤتمر وطني، أو الجهة التي تدعو إليه، أو موعد انعقاده، أو مكانه، أو كيفية تنظيمه — تمثل قضية مستقلة شديدة الخلاف. وقد جرى التعامل مع كل واحدة من هذه القضايا وكأنها المعركة النهائية على السلطة، بدلاً من اعتبارها مرحلة ضمن رحلة وطنية مشتركة. وقد أدى هذا النهج إلى معالجة كل قضية بصورة منفصلة، ومناقشتها بصورة منفصلة، والسعي إلى حلها بصورة منفصلة، بحيث أصبح إحراز أي تقدم مرهوناً بالحصول على موافقة جميع الأطراف في كل مرحلة. ورغم أن الشمولية تظل مبدأً أساسياً، فإن هذا الأسلوب المجزأ جعل إدارة عملية السلام بالغة الصعوبة وأدى إلى نتائج محدودة. ولا توجد شواهد تذكر في التجارب الحديثة لبناء الدول أو التطور الدستوري تشير إلى إمكانية نجاح دولة خارجة من حرب أهلية في إعادة بناء السلام والحكم الرشيد إذا اعتُبرت كل خطوة إجرائية أزمة سياسية مستقلة. ولذلك، لم يكن مستغرباً أن يؤدي هذا النهج إلى التأخير والإحباط وتكرار خيبة الأمل. ولم يقتصر أثر هذا النهج على تأخير السلام والوحدة والحكم الدستوري، بل أتاح أيضاً لتشابك المصالح الداخلية والخارجية أن يؤثر في كل مرحلة تقريباً من مراحل العملية. ونتيجة لذلك، كثيراً ما طغت المصالح الشخصية والعشائرية ودون العشائرية والإقليمية والفئوية على الهدف الوطني الأشمل. ولا شك أن استعادة السلام والوحدة والحكم الرشيد في الصومال مهمة معقدة بطبيعتها، غير أنها تصبح أكثر صعوبة عندما تتحول كل خطوة نحو هذا الهدف إلى مصدر جديد للنزاع. ولذلك فقد ساهم النهج الحالي في زيادة الشكوك والارتباك، وأحياناً المآسي، بينما أخذ صبر المجتمع الدولي وثقته يتراجعان تدريجياً. وفي هذه المرحلة، يحتاج القادة الصوماليون وأصدقاء الصومال إلى رؤية واضحة ومختصرة وشاملة للمسار الكامل الذي ينبغي أن تسلكه البلاد، ابتداءً من واقعها الحالي وصولاً إلى غايتها المنشودة المتمثلة في السلام والوحدة الوطنية والحكم الدستوري. ومن دون هذه الرؤية المشتركة، قد يستمر قادة الحكومة الانتقالية، وزعماء العشائر، وزعماء الأفخاذ، وغيرهم من الفاعلين السياسيين في النظر إلى كل خطوة باعتبارها صراعاً نهائياً على النفوذ، بدلاً من اعتبارها مرحلة ضرورية ضمن عملية سلام وطنية شاملة. وينبغي أن تبدأ هذه الرؤية بعرض الواقع الراهن للصومال، بما في ذلك طبيعة التحالفات، وتوزيع موازين القوة، والتطلعات المشروعة للمجتمعات المحلية في الحفاظ على هويتها، وضمان أمنها، وتحقيق قدر مناسب من الحكم الذاتي، وصون مصالحها من خلال مؤسسات موثوقة وآمنة. وفي المقابل، ينبغي أن تعرض هذه الرؤية مستقبلاً واقعياً وقابلاً للتحقيق، يقوم على هياكل سياسية واجتماعية واقتصادية يتم التفاوض بشأنها، وتكون قادرة على ترسيخ السلام والاستقرار والوحدة والحكم الدستوري. كما ينبغي أن تراعي هذه الهياكل حقائق الماضي والحاضر، وأن توفر أساساً عملياً لإعادة بناء الثقة بين جميع أصحاب المصلحة. وينبغي لهذه الهياكل أن تحقق توازناً بين الاعتراف بالهويات الفردية والجماعية، والحكم الذاتي والإدارة الذاتية من جهة، وبين التطلع الجماعي إلى بناء الدولة، وترسيخ الحكم الدستوري، وتحقيق السلام والتنمية من جهة أخرى. وبين الواقع الحالي والمستقبل المنشود تمتد رحلة طويلة، يتعين أن يخوضها القادة الصوماليون، والشعب الصومالي، وأصدقاء الصومال بروح من التفاوض، والاحترام المتبادل، والمسؤولية المشتركة، والعمل الجماعي. وينبغي ألا يكون الهدف انتصار طرف على آخر، بل بناء إطار سياسي يستطيع جميع أصحاب المصلحة الرئيسيين فهمه، وقبوله، والإسهام في الحفاظ عليه. ومن المهم التأكيد على أنه، في ظل الظروف الراهنة، سيظل أي تقدم هشاً ما لم يتوصل القادة الحقيقيون في الصومال إلى فهم مشترك للهياكل المستقبلية التي ستقوم عليها الدولة، والاستقرار، والوحدة الوطنية، والحكم الدستوري. فإذا لم يتمكن القادة والمجتمعات من تصور شكل الدولة المستقبلية، أو إذا خشوا أن مصالحهم الحيوية لن تحظى بالحماية، فمن غير المرجح أن يتخلوا عن الأراضي أو السلاح أو أدوات النفوذ التي يرون أنها ضرورية لأمنهم وبقائهم. ولهذا السبب، لا يمكن التوصل إلى تسوية دائمة من خلال فرض نماذج خارجية غامضة لبناء الدولة. بل ينبغي أن يوفر أي ترتيب مقترح ضمانات موثوقة للحماية والحرية والحقوق والمشاركة، وأن يكون من القوة والمرونة بما يكفل صموده أمام تقلبات الزمن، وحالات انعدام الثقة السياسية، واحتمالات الإخلال بالالتزامات أو تجدد الصراع. مع إدراك التحديات الكبيرة التي ينطوي عليها التوصل إلى توافق بين جميع القادة السياسيين الصوماليين وأصحاب المصلحة.
تقترح هذه الورقة أن تتولى مجموعة صغيرة من الشخصيات الصومالية الوطنية المرموقة، المشهود لها بالحياد والاستقلالية، زمام المبادرة في طرح نهج جديد للمصالحة الوطنية. وينبغي أن تتألف هذه المجموعة من شخصيات حافظت على ثقة مختلف الأطراف السياسية والمجتمعية، وتحظى باحترام واسع لما تتمتع به من نزاهة وحياد والتزام راسخ بالمصلحة الوطنية. ويتمثل دورها في تيسير الحوار، وتعزيز الثقة بين الأطراف، وحشد التأييد لخارطة طريق شاملة تقود نحو السلام، والحكم الدستوري، والاستقرار الوطني. وتستعرض الفقرات التالية عدداً من الوسائل العملية التي يمكن، بصورة تدريجية، من خلالها تنفيذ هذا النهج المقترح. الصفحة السادسة المرتكز الثالث: الحوكمة الإقليمية بوصفها نهجاً انتقالياً على مدى السنوات الماضية، سعت الحكومات الانتقالية المتعاقبة في الصومال إلى إعادة بسط الأمن وسيادة النظام واستعادة مظاهر الحياة الطبيعية في مختلف أنحاء البلاد. ومن بين الأساليب العملية التي برزت تدريجياً تشجيع الإدارات الإقليمية على تحقيق الأمن والاستقرار داخل أقاليمها، مع المحافظة في الوقت ذاته على الحوار والتعايش السلمي مع الأقاليم المجاورة. وفي إطار هذا النهج، ركزت القيادات الإقليمية جهودها على بناء مؤسسات إدارية محلية قادرة على توفير الأمن، وتقديم الخدمات العامة الأساسية، واستعادة ثقة المواطنين. وفي الوقت نفسه، كان من المتوقع أن تنخرط هذه القيادات في حوار بنّاء مع قادة الأقاليم الأخرى سعياً إلى التوصل إلى تسوية وطنية أشمل. ورغم أن هذا النهج أسهم في تحقيق قدر من الاستقرار في بعض المناطق، فإنه لم ينجح في إيجاد حل وطني مستدام. فقد واجهت عدة إدارات إقليمية صعوبات في ترسيخ سلطتها، في حين استمرت قوى سياسية جديدة ومراكز نفوذ متنافسة في الظهور. وبالمثل، واجهت المحاولات الرامية إلى إنشاء ترتيبات شاملة لتقاسم السلطة في مقديشو، بهدف تشكيل إدارة تمثل مختلف المكونات السياسية والاجتماعية للعاصمة، تحديات سياسية كبيرة، ولم تتمكن حتى الآن من تحقيق نجاح دائم.
الجوانب الإيجابية للنهج الإقليمي على الرغم من أوجه القصور التي شابت هذا النهج، فقد أظهر عدداً من نقاط القوة المهمة. فقد أسهم، أولاً، ولو على المدى القصير، في تحسين الأمن والاستقرار في بعض مناطق البلاد، مما أتاح للمجتمعات المحلية ممارسة حياتها اليومية بدرجة أكبر من الطمأنينة، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتنمية المحلية. وثانياً، عزز هذا النهج مبدأً مهماً يتمثل في أن القيادة السياسية ينبغي أن تقترن بإثبات الكفاءة الإدارية. فالقادة الذين يتطلعون إلى تحمل مسؤوليات وطنية ينبغي لهم أولاً أن يبرهنوا على قدرتهم في تحقيق إدارة فعالة داخل أقاليمهم، وأن ينالوا ثقة وتفويض المجتمعات التي يمثلونها. محدودية النهج الإقليمي وفي المقابل، ينطوي هذا النهج على مخاطر جوهرية. فإذا لم يكن موجهاً بإطار دستوري وطني مشترك، فقد تتحول الإدارات الإقليمية القوية تدريجياً إلى مراكز متنافسة للسلطة السياسية. وبدلاً من أن يسهم ذلك في تعزيز الوحدة الوطنية، فقد يؤدي، من غير قصد، إلى تسريع وتيرة التشظي السياسي وتعميق الانقسامات بين أقاليم البلاد. ولهذا السبب، فإن أياً من النهجين الرئيسيين اللذين جرى اعتمادهما حتى الآن، سواء نموذج الإدارة الانتقالية شديد المركزية أو النموذج الذي يقوم بصورة رئيسية على الإدارات الإقليمية، لم ينجح في تحقيق سلام دائم أو استقرار وطني مستدام. لقد بلغت الصومال مرحلة أصبح فيها من غير المرجح أن يتحقق السلام الدائم من خلال التسويات السياسية المؤقتة، أو التحالفات قصيرة الأجل، أو الترتيبات التي تحركها في المقام الأول اعتبارات خارجية أو مصالح محلية ضيقة. فإرساء الاستقرار المستدام يتطلب إطاراً وطنياً شاملاً يحقق التوازن بين الحكم الذاتي الإقليمي والوحدة الوطنية، ويصون المصالح المشروعة لجميع مكونات المجتمع، ويؤسس لمؤسسات دستورية تحظى بثقة واسعة من المواطنين.
وحده مثل هذا النهج المتوازن والشامل قادر على إرساء الأساس لسلام دائم، وحوكمة فعالة، وتنمية وطنية مستدامة على المدى الطويل. نحو تسوية دستورية متوازنة تشير تجربة العقود الماضية إلى أن مختلف المقاربات التي انتهجها القادة الصوماليون وشركاؤهم الدوليون قد أسهمت، كلٌّ منها، في تقديم دروس وتجارب قيّمة. ومع ذلك، لم تكن أيٌّ من هذه المقاربات، بمفردها، كافية لإرساء نظام دستوري مستقر، وذلك لأن كل منها عالج جانباً واحداً فقط من التحدي الوطني الأشمل. ومن ثم، فإن الصومال بحاجة إلى السعي نحو ترتيبات دستورية متوازنة تُوفّق بين حقيقتين وطنيتين متكاملتين لا تقل إحداهما أهمية عن الأخرى. فمن جهة، هناك التطلعات المشروعة للأقاليم والمجتمعات المحلية للحفاظ على هوياتها، والمشاركة في إدارة شؤونها المحلية، وممارسة قدر مناسب من الحكم الذاتي. ومن جهة أخرى، لا تزال هناك التطلعات الوطنية الراسخة لإقامة دولة صومالية موحدة تقوم على سيادة الدستور، والمواطنة المتساوية، ومؤسسات وطنية فعّالة.
دور الحكومة الوطنية الانتقالية ومع تطور المشهد السياسي في الصومال، أصبح من الصعب بصورة متزايدة تحديد جميع الأطراف الفاعلة المتنافسة على النفوذ السياسي. كما يزداد الأمر تعقيداً بسبب غياب رؤية مشتركة ومتفق عليها بشأن النظام الدستوري الذي يسعى هؤلاء الفاعلون في نهاية المطاف إلى إقامته. وقد انصبت جولات التفاوض المتعاقبة في معظمها على تشكيل حكومات جامعة وتوزيع المناصب السياسية بين القيادات المتنافسة. ورغم أن هذه الجهود عكست رغبة حقيقية في إعادة بناء نظام وطني للحكم داخل الحدود الدولية المعترف بها للصومال، فإنها غالباً ما جرت في غياب إطار دستوري متوافق عليه يحدد بصورة واضحة صلاحيات المؤسسات العامة ومسؤولياتها وحدود اختصاصاتها. ونتيجة لذلك، غالباً ما انصب التنافس السياسي على شغل المناصب العامة أكثر من تركيزه على بناء الأسس المؤسسية اللازمة لضمان الحكم الرشيد، وحماية الحقوق، وتحقيق الاستقرار الوطني على المدى الطويل. ومن نواحٍ عديدة، مثّل التنافس على المناصب العامة سعياً نحو نيل الاعتراف السياسي وتعزيز الثقة لدى القيادات التي حرصت على إظهار مكانتها ونفوذها أمام قواعدها الشعبية ضمن النظام الوطني الناشئ. غير أن الشرعية الدائمة لا يمكن أن تستمد من مجرد شغل المناصب العامة، بل ينبغي أن ترتكز على مؤسسات تحظى بثقة واسعة من المواطنين، وتستند إلى الشرعية الدستورية، وإلى رضا الشعب وموافقته.
وفي نهاية المطاف، لا تصبح السلطة السياسية مستدامة إلا عندما تُمارس في إطار دستوري يحظى بالشرعية الوطنية، ويكفل حماية حقوق ومصالح جميع مكونات المجتمع، ويعزز الوحدة الوطنية، والعدالة، والتسوية السلمية للخلافات. الدور المقترح للشخصيات الوطنية المحايدة والشيوخ الصوماليين المستقلين لإطلاق نهج جديد وبنّاء نحو المصالحة الوطنية، يمكن للشيوخ الصوماليين المشهود لهم بالحياد، إلى جانب الشخصيات الوطنية الموثوقة والمستقلة، أن يضطلعوا بدور محوري في تيسير الحوار الوطني. وتتمثل مسؤوليتهم الأساسية في تعزيز حوار يهدف إلى التوصل إلى توافق حول الأسس الدستورية والمؤسسية طويلة الأمد للدولة الصومالية، بدلاً من استمرار المفاوضات التي تتركز في المقام الأول على الأشخاص أو المناصب السياسية.
الخطوة الأولى: بناء التفاهم الأولي كخطوة أولى، يمكن عرض الأفكار الواردة في هذه الورقة المفاهيمية بصورة غير رسمية وبقدرٍ من السرية على قادة مختلف المجموعات السياسية، إلى جانب عدد محدود من مستشاريهم الموثوقين. ولن يكون الهدف من هذه المشاورات التوصل إلى اتفاقات نهائية، وإنما تشجيع التفكير في الحاجة إلى اعتماد نهج جديد يمنح الأولوية لبناء الهياكل الدستورية، وتحقيق توزيع متوازن للسلطات السياسية، وإرساء مؤسسات حكم راسخة وقادرة على الاستمرار.
الخطوة الثانية: إنشاء فريق عمل فني شامل وعندما يتوافر قدر كافٍ من الثقة بين الأطراف الرئيسية، يمكن للميسّرين دعوة مجموعة مختارة بعناية من المفكرين الصوماليين المرموقين، وخبراء القانون الدستوري، والفقهاء القانونيين، والإداريين، والاقتصاديين، وممثلين عن مختلف المكونات المجتمعية، لإعداد وثيقة وطنية أكثر شمولاً تُطرح للنقاش العام. وستعمل هذه الوثيقة على تطوير المبادئ الواردة في هذه الورقة، وتقديم مقترحات أكثر تفصيلاً بشأن الهيكل الدستوري والسياسي والإداري والقضائي والمالي والاقتصادي والأمني والمؤسسي المستقبلي للدولة الصومالية. وحيثما كان ذلك مناسباً، ينبغي أن تتضمن أيضاً العناصر الإيجابية والبنّاءة الواردة في اتفاقيات السلام السابقة والتفاهمات السياسية التي تم التوصل إليها عبر السنوات، بما يضمن البناء على ما تحقق من تقدم بدلاً من البدء من نقطة الصفر. كما ينبغي إيلاء اهتمام خاص لترتيبات الحكم الانتقالي، بما في ذلك التحول التدريجي للمجموعات المسلحة القائمة إلى مؤسسات أمنية إقليمية مهنية وخاضعة للمساءلة، تعمل ضمن إطار دستوري متفق عليه. وعلاوة على ذلك، ينبغي أن تقترح الوثيقة مساراً منظماً يقود إلى إنشاء الجمعية الوطنية التأسيسية للدستور، التي تتولى مناقشة مشروع الدستور، وتنقيحه، واعتماده في نهاية المطاف وفق إجراءات قانونية ودستورية وديمقراطية مشروعة. ويتمثل الهدف النهائي لهذه المرحلة في تزويد الصومال برؤية دستورية وطنية شاملة تحظى بملكية وطنية واسعة، وتوفر في الوقت ذاته الأسس المؤسسية اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار، وترسيخ الحكم الديمقراطي، ودعم التنمية المستدامة. الخطوة الثالثة: بناء التوافق الوطني بعد إعداد مسودة الإطار الدستوري، ينبغي أن تخضع لنقاشات موسعة من خلال مشاورات غير رسمية تضم ممثلين ذوي خبرة واحترام من مختلف القوى السياسية الرئيسية، والمجتمعات المحلية، وسائر أصحاب المصلحة.
ويهدف هذا الحوار إلى تشجيع النقاش المفتوح، وتحديد مجالات التفاهم المشترك، ومواصلة تنقيح الوثيقة إلى أن يبدأ توافق وطني واسع في التبلور. وينبغي أن تظل المسودة وثيقةً قابلةً للتطوير طوال هذه المرحلة، بما يسمح بإدخال التعديلات والتحسينات كلما دعت الحاجة، بما يعكس الشواغل المشروعة والمقترحات البنّاءة التي تبرز خلال عملية المشاورات. الخطوة الرابعة: الإقرار الرسمي بالإطار المتوافق عليه بعد التوصل إلى توافق واسع من خلال المشاورات غير الرسمية، ينبغي عرض الوثيقة المنقحة مرة أخرى على القيادات السياسية الرئيسية وممثلي مختلف المكونات، بهدف اعتمادها بصورة جماعية. ومن المهم أن يتم هذا الإقرار، في مرحلته الأولى، خارج إطار المؤتمرات الوطنية الرسمية أو المفاوضات ذات الطابع السياسي الحاد، إذ إن هذا النهج من شأنه أن يحافظ على أجواء الثقة والمرونة وروح التعاون البنّاء، وهي عناصر غالباً ما يصبح الحفاظ عليها أكثر صعوبة في الاجتماعات السياسية الرسمية. وعقب التوصل إلى اتفاق واسع، يمكن لممثلي الأطراف المشاركة أن يؤكدوا رسمياً التزامهم المشترك بالمبادئ وخارطة الطريق المتفق عليها للمصالحة الوطنية. التيسير الدولي بعد تحقيق قدرٍ كافٍ من الملكية الوطنية الصومالية للعملية، يمكن النظر في دعوة دولة صديقة، يُفضَّل أن تكون قد حافظت على الحياد ولم تشارك بصورة مباشرة في جولات السلام الصومالية السابقة، لتيسير انعقاد مؤتمر وطني رسمي خارج منطقة القرن الإفريقي. ولا ينبغي أن يكون الهدف من هذا المؤتمر إعادة التفاوض بشأن الإطار الذي تم التوافق عليه، وإنما المصادقة الرسمية على الإجماع الذي توصل إليه أصحاب المصلحة الصوماليون، وإبراز الالتزام الوطني الموحد بتنفيذ خارطة الطريق المتفق عليها. ويمكن للدولة المضيفة، بالتعاون مع المجتمع الدولي والأمم المتحدة، أن تسهم في حشد الدعم الدبلوماسي والفني والمالي اللازم لمرافقة الصومال خلال مرحلة تنفيذ هذه الخارطة. ويحافظ هذا التسلسل على مبدأ أساسي يتمثل في أن السلام الدائم يجب أن يكون ملكاً للصوماليين أنفسهم. أما الشركاء الدوليون، فيمكنهم تقديم دعمٍ ومواردٍ قيّمة، لكن ينبغي أن يكون دورهم تعزيز التوافق الوطني الذي يصوغه الصوماليون من خلال عملية شاملة يقودونها بأنفسهم، لا أن يحلوا محله. الترتيبات الانتقالية المقترحة لضمان تنفيذ خارطة الطريق المتفق عليها بصورة تتسم بالمصداقية والشفافية والحياد، قد يرغب القادة الصوماليون في النظر في إنشاء ترتيبات انتقالية تستند إلى الملكية الوطنية، وتحظى في الوقت ذاته بتعاون دولي محدد المعالم بعناية. ويتمثل أحد الخيارات الممكنة في أن تطلب الحكومة الصومالية من الأمم المتحدة، بالتشاور مع الأطراف الصومالية والشركاء الدوليين المعنيين، إنشاء آلية دعم دولية صغيرة تضم عدداً من الدول الإفريقية الموثوقة، إلى جانب دول صديقة أخرى تحظى بثقة الشعب الصومالي.
ولا ينبغي أن يكون الدور الأساسي لهذه الآلية هو إدارة شؤون الصومال، وإنما مرافقة ومراقبة ودعم تنفيذ الاتفاقات التي يتوصل إليها أصحاب المصلحة الصوماليون طوعاً. كما ينبغي أن يظل تفويضها ذا طابع داعم بحت، مع الاحترام الكامل لسيادة الصومال، ولمسار تطوره الدستوري، ولمبدأ الملكية الوطنية لعملية السلام. ويمكن أن يتولى مبعوث خاص للأمم المتحدة، يعينه الأمين العام، مهمة المنسق الرئيسي بين السلطات الصومالية، والشركاء الإقليميين، والمجتمع الدولي. وبالتشاور الوثيق مع المؤسسات الصومالية، يعمل المبعوث الخاص على تيسير الحوار، وتشجيع تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، وحشد المساعدة الفنية عند الاقتضاء، ورفع تقارير دورية عن التقدم المحرز. رؤية نحو صومال فيدرالي ينعم بالسلام استناداً إلى التجارب التي مر بها الصومال خلال العقود الماضية، ترى هذه الورقة أن اعتماد نظام دستوري فيدرالي مصمم بعناية يمثل أحد أكثر المسارات واقعية لتحقيق السلام المستدام، والاستقرار السياسي، والوحدة الوطنية. فالنظام الفيدرالي يعترف بالتنوع القائم بين أقاليم الصومال ومجتمعاته، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سيادة الدولة ووحدة أراضيها. كما يوفر إطاراً دستورياً يضمن حكماً ذاتياً مناسباً للأقاليم، إلى جانب مؤسسات وطنية قوية تتولى إدارة القضايا ذات المصلحة الوطنية المشتركة.
ومن شأن هذا الترتيب أيضاً أن يحول الواقع السياسي القائم في الأقاليم إلى مؤسسات دستورية شرعية تعمل ضمن إطار ديمقراطي يستند إلى سيادة القانون. وتستمد الإدارات الإقليمية صلاحياتها من الشرعية الدستورية، لا من اعتبارات سياسية مؤقتة، مع بقائها خاضعة للمساءلة أمام مواطنيها وأمام النظام الدستوري الفيدرالي. وبهذه الكيفية، لا تمثل الفيدرالية تقسيمًا للصومال، بل تشكل آلية دستورية لإدارة التنوع، وتعزيز التماسك الوطني، والحد من التنافس السياسي حول السلطة المركزية، وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق سلام دائم، وحكم ديمقراطي رشيد، وتنمية مستدامة. الولايات الإقليمية والمؤسسات الاتحادية إن إنشاء ولايات إقليمية تقوم على توافق وطني واسع، وتتمتع بقدر حقيقي من الاستقلال الإداري والسياسي، من شأنه أن يقرّب الحكم من المواطنين الصوماليين. فمثل هذه الترتيبات من شأنها تعزيز المشاركة الشعبية، وترسيخ المساءلة على المستوى المحلي، وتشجيع المبادرات الإقليمية في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وينبغي أن تُدار كل ولاية إقليمية من خلال مؤسسات ديمقراطية، تشمل مجلساً تشريعياً إقليمياً منتخباً، وسلطة تنفيذية إقليمية خاضعة للمساءلة يرأسها رئيس وزراء إقليمي أو رئيس حكومة إقليمية أو أي مسمى دستوري مماثل. وتتولى هذه القيادة مسؤولية الإدارة، والتنمية، وحفظ الأمن والنظام، وتقديم الخدمات العامة الأساسية داخل الإقليم. كما ينبغي أن تعمل المؤسسات الإقليمية، بما في ذلك قوات الأمن الإقليمية، في إطار دساتير إقليمية تتوافق بصورة كاملة مع الدستور الاتحادي. ويتيح ذلك للسلطات الإقليمية الحفاظ على الأمن والاستقرار المحلي، مع بقائها ملتزمة بالإطار الدستوري الوطني وخاضعة له. السلطة الاتحادية والمؤسسات الوطنية تظل السلطة الاتحادية مسؤولة عن حماية سيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه. وتشمل اختصاصاتها السياسة الخارجية، والتجارة الدولية، والسياسة النقدية والمالية، والتنسيق الاقتصادي الوطني، والعدالة، وحقوق الإنسان، ووضع المعايير الوطنية للتعليم، والدفاع الوطني. وينبغي أن تضم المؤسسات الاتحادية سلطةً تشريعية وطنية، يفضل أن تتكون من مجلسين هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ، إلى جانب سلطة قضائية اتحادية تتولى تفسير الدستور وصون سيادة القانون. أما السلطة التنفيذية الاتحادية، فتتكون من رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، والوزارات الاتحادية المختصة بالإدارة الوطنية، والمالية، والسياسات الاقتصادية، والأمن، وسائر القضايا ذات المصلحة الوطنية المشتركة. كما يحتاج الصومال إلى جيش وطني صغير الحجم، محترف، ومنضبط، وعالي الكفاءة.
وتتمثل مهمته في الدفاع عن سيادة الدولة ووحدة أراضيها، ومساندة الإدارات الإقليمية عند الضرورة، والإسهام في حفظ الأمن والاستقرار وفقاً لأحكام الدستور. الخاتمة ينبغي النظر إلى الإطار المقترح أعلاه بوصفه عرضاً عاماً للترتيبات السياسية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية التي يمكن، من خلالها، تحقيق التوازن، وحماية الهويات المحلية، وترسيخ الحكم الدستوري، وتعزيز الاستقرار الوطني بصورة تدريجية. ويبدو أن النظام الدستوري الاتحادي يمثل أحد أكثر الخيارات العملية للحد من المنافسة السياسية الصفرية والهدامة على السلطة في الصومال. فمن خلال التوزيع الدستوري الواضح للصلاحيات بين الحكومة الاتحادية والولايات الإقليمية، يمكن تحويل التنافس السياسي إلى تعاون مؤسسي، ووضع أسس أكثر رسوخاً لتحقيق السلام الدائم، والوحدة الوطنية، والتنمية المستدامة. الخاتمة النهائية إن أكبر تحدٍ يواجه الصومال اليوم لا يتمثل فقط في تشكيل إدارة انتقالية جديدة أو إعادة توزيع المناصب السياسية، بل يتمثل في إيجاد عملية وطنية متوافق عليها تُمكّن جميع الأطراف السياسية من الالتزام الجماعي بإطار دستوري شامل، قادر على تحقيق السلام الدائم والاستقرار والحكم الرشيد.
وتتمثل الفكرة الرئيسية لهذه الورقة المفاهيمية في أن السلام المستدام لا يمكن تحقيقه من خلال مفاوضات متفرقة تُجرى بمعزل عن رؤية وطنية مشتركة. بل إن الصومال بحاجة إلى عملية منظمة ومتوازنة وشاملة، تتيح لجميع الأطراف الشرعية المشاركة في رسم معالم البنية السياسية والدستورية والمؤسسية المستقبلية للدولة. وعليه، ينبغي أن يسعى مسار استعادة الاستقرار إلى تحقيق التوازن بين ثلاث تطلعات متكاملة: * التطلعات المشروعة للأفراد في التمتع بالأمن والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص؛ * المصالح المشروعة للمجتمعات والأقاليم في الحفاظ على هوياتها، والمشاركة في إدارة شؤونها، وممارسة قدر مناسب من الحكم الذاتي المحلي؛ *
والتطلع الوطني الجماعي إلى بناء جمهورية صومالية فيدرالية موحدة، يسودها السلام والديمقراطية وتحكمها أحكام الدستور وسيادة القانون. ومن خلال تحقيق التوازن بين هذه الأبعاد الثلاثة فقط، يمكن للصومال أن يؤسس مؤسسات وطنية تحظى بثقة المواطنين، وتتمتع بالاستمرارية والقدرة على البقاء بعيداً عن تأثير القيادات السياسية الفردية أو التسويات السياسية المؤقتة. وانطلاقاً من ذلك، تقترح هذه الورقة خارطة طريق تبدأ بحوار وطني غير رسمي، وبناء الثقة، وتحقيق التوافق بين مختلف الأطراف الصومالية، قبل الانتقال إلى مفاوضات دستورية رسمية تحظى بدعم المجتمع الدولي. وخلال جميع مراحل هذه العملية، يجب أن تظل الملكية الوطنية الصومالية هي المبدأ الأساسي الذي يحكم المسار، بينما يقتصر دور الشركاء الدوليين على التيسير، وتقديم الخبرة الفنية، والدعم البنّاء، وفقاً للأولويات التي يحددها الشعب الصومالي نفسه. إن المقترحات الواردة في هذه الورقة ليست مشروعاً نهائياً أو خطة ملزمة، وإنما تُطرح بوصفها وثيقة للنقاش والحوار، مقدمة بروح المسؤولية الوطنية، والحوار البنّاء، والأمل الصادق في أن تسهم في إثراء النقاشات المستقبلية حول بناء السلام، والحكم الدستوري، والمصالحة الوطنية، والتنمية المستدامة. ويرحب المؤلف بكل تقدير بالملاحظات البناءة، والمقترحات، والتعديلات، والأفكار الإضافية التي يقدمها القادة الصوماليون، والأكاديميون، ومنظمات المجتمع المدني، وشركاء التنمية، وجميع أصدقاء الصومال. فمن خلال الاحترام المتبادل، والحوار المفتوح، والحكمة الجماعية، يمكن صياغة خارطة طريق وطنية أكثر قوة وشمولاً، وتحظى بقبول أوسع، بما يخدم مصلحة الأجيال الحالية والقادمة.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدي شعب الصومال إلى طريق السلام الدائم، والعدل، والوحدة، والرخاء، والحكم الرشيد، وأن يبارك كل الجهود الصادقة الرامية إلى تحقيق المصالحة الوطنية وبناء الدولة. آمين
هذه الوثيقة تمثل مقترحاً فكرياً مفتوحاً للنقاش الوطني، وتهدف إلى تشجيع الحوار والتوافق بين جميع الأطراف الصومالية، دون أن تمثل موقفاً سياسياً لأي جهة.
.
بقلم
أحمد علي مسعود الحبيشي
Comments
Post a Comment